سهيلة عبد الباعث الترجمان
23
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
بعد أن كملت شخصية ابن عربي بفضل بعد همته وطلبه الدؤوب على العلم وتحصيله للمعرفة ونيله للإجازات المتعددة ، واختلاطه بجلّة من العلماء والأدباء ، هيأت له نبالة محتدة ومواهبه الأدبية أن يلتحق بديوان بعض ملوك المغرب موقعا كما يقول الشعراني : " كان رضي اللّه عنه أولا من الموقعين عند بعض ملوك المغرب " « 1 » . ويذكر صاحب نفح الطيب أنه " كتب لبعض الولاة ثم رحل إلى المشرق " « 2 » . ويذكر ابن العماد في شذرات الذهب نقلا عن المناوي أنه : " كان يكتب الإنشاء لبعض ملوك المغرب " « 3 » وليس من تعارض بين هذه النصوص إذ كانت المدن الأندلسية تخضع كلها لحكم الموحدين ملوك المغرب آنذاك . كما منّ اللّه عليه بزوجة صالحة هي مريم بنت محمد بن عبدون بن عبد الرحمن البجّائي ، وبنو عبدون أسرة كريمة ، ومريم كانت امرأة صالحة « 4 » . وكانت نعم العون له على ارتياد الطريق إلى اللّه ، يواكب ذلك دعوات أمه التقية له عندما سلك طريق الزهادة والتقشف . ولكنه سرعان ما ضاق بقيود الوظيفة ، وتاق إلى الحرية ليتفرغ لما اختار لنفسه على هدى من اللّه من زهادة وتقشف ، وكان ذلك في حياة أبيه ، وساعده على ذلك مرض شديد أصابه فألزمه الفراش . فلم يبرأ منه إلّا وقد خلصت نفسه من شوائبها كالذهب الذي تهذبه النار ، وتهيأ للانطلاق كلية إلى حياته الجديدة « 5 » ، بعد أن مارس بعض المجاهدات وألزم نفسه الخلوة بين الحين والحين ، وهو ما زال فتى في حوالي العشرين ، كما يقول عن نفسه ، أنه ما زال غلاما أمرد عندما بلغت شهرة بدايته في سلوك الطريق الصوفية إلى مسامع الفيلسوف المشهور ابن رشد ( ت 595 ه ) ، وكان صديقا لوالده ، فأراد أن يجعل منه موضوع دراسة وبحث ، لذا
--> ( 1 ) الشعراني ( عبد الوهاب ) ، اليواقيت والجواهر ، الجزء الأول ، مكتبة مصطفى البابي الحلبي ، مصر ، 1378 ه / 1959 م ، ص 7 . ( 2 ) المقّري ، نفح طيب ، الجزء السابع ، ص 93 . ( 3 ) ابن العماد ، شذرات الذهب ، ص 190 . ( 4 ) ابن عربي ، الفتوحات : الجزء الأول ، ص 363 ( انظر أسين بلاثيوس ، مرجع سابق ، ص 9 ) . ( 5 ) فرغلي ( عبد الحفيظ ) ، مرجع سابق ، ص 34 .